فخر الدين الرازي

151

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

فله فيه وجهان : الأول : قال الفراء : جزموا لكثرة الحركات ، فلما سكنت التاء أدغمت في الطاء ، والثاني : أن الطاء والدال والتاء من حيز واحد ، فالتقارب الذي بينها يجريها مجرى الأمثال في الإدغام ، ومما يحسن هذا الإدغام أن الطاء تزيد على التاء بالاطباق ، فحسن إدغام الأنقص صوتا في الأزيد صوتا . أما من لم يدغم فعلته أنهما حرفان من مخرجين في كلمتين متفاصلتين ، فوجب إبقاء كل واحد منهما بحاله . المسألة الرابعة : قال : بَيَّتَ بالتذكير ولم يقل : بيتت بالتأنيث ، لأن تأنيث الطائفة غير حقيقي ، ولأنها في معنى الفريق والفوج . قال صاحب « الكشاف » : بَيَّتَ طائِفَةٌ أي زورت وزينت خلاف ما قلت وما أمرت به ، أو خلاف ما قالت وما ضمنت من الطاعة ، لأنهم أبطنوا الرد لا القبول والعصيان لا الطاعة . ثم قال تعالى : وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ ذكر الزجاج فيه وجهين : أحدهما : أن معناه ينزل إليك في كتابه . والثاني : يكتب ذلك في صحائف أعمالهم ليجازوا به . ثم قال تعالى : فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ والمعنى لا تهتك سترهم ولا تفضحهم ولا تذكرهم بأسمائهم ، وإنما أمر اللَّه بستر أمر المنافقين إلى أن يستقيم أمر الإسلام . ثم قال : وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ في شأنهم ، فان اللَّه يكفيك شرهم وينتقم منهم وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا لمن توكل عليه . قال المفسرون : كان الأمر بالإعراض عن / المنافقين في ابتداء الإسلام ، ثم نسخ ذلك بقوله : جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ * [ التوبة : 73 ، التحريم : 9 ] وهذا الكلام فيه نظر ، لأن الأمر بالصفح مطلق فلا يفيد إلا المرة الواحدة ، فورود الأمر بعد ذلك بالجهاد لا يكون ناسخا له . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 82 ] أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ( 82 ) اعلم أنه تعالى لما حكى عن المنافقين أنواع مكرهم وكيدهم ، وكان كل ذلك لأجل أنهم ما كانوا يعتقدون كونه محقا في ادعاء الرسالة صادقا فيه ، بل كانوا يعتقدون أنه مفتر متخرص ، فلا جرم أمرهم اللَّه تعالى بأن ينظروا ويتفكروا في الدلائل الدالة على صحة نبوته . فقال : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً فاحتج تعالى بالقرآن على صحة نبوته وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : التدبير والتدبر عبارة عن النظر في عواقب الأمور وأدبارها ، ومنه قوله : إلام تدبروا أعجاز أمور قد ولت صدورها ، ويقال في فصيح الكلام : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ، أي لو عرفت في صدر أمري ما عرفت من عاقبته . المسألة الثانية : اعلم أن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى احتج بالقرآن على صحة نبوة محمد صلى اللَّه عليه وسلم ، إذ لو تحمل الآية على ذلك لم يبق لها تعلق بما قبلها البتة ، والعلماء قالوا : دلالة القرآن على صدق محمد صلى اللَّه عليه وسلم من ثلاثة أوجه : أحدها : فصاحته . وثانيها : اشتماله على الاخبار عن الغيوب . والثالث : سلامته عن الاختلاف ، وهذا هو المذكور في هذه الآية ، ثم القائلون بهذا القول ذكروا في تفسير سلامته عن الاختلاف ثلاثة أوجه : الأول : قال أبو بكر الأصم : معناه أن هؤلاء المنافقين كانوا يتواطئون في السر على أنواع كثيرة من المكر والكيد ، واللَّه تعالى كان يطلع الرسول عليه الصلاة والسلام على تلك الأحوال حالا فحالا ويخبره عنها على سبيل التفصيل ، وما كانوا يجدون في كل ذلك إلا الصدق ، فقيل لهم : إن ذلك لو لم يحصل باخبار اللَّه تعالى وإلا لما اطرد الصدق فيه ، ولظهر في قول محمد أنواع الاختلاف والتفاوت ، فلما لم يظهر ذلك علمنا أن ذلك